القرطبي
43
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
من بطون أمهاتكم حفاة غرلا بهما ( 1 ) ليس معهم شئ . وقال العلماء : يحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد ، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه . وهذا معنى قوله : " غرلا " أي غير مختونين ، أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان . قوله تعالى : ( وتركتم ما خولناكم ) أي أعطيناكم وملكناكم والخول : ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم ( 2 ) . ( وراء ظهوركم ) أي خلفكم . ( وما نرى معكم شفعاءكم ) أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء - يريد الأصنام - أي شركائي . وكان المشركون يقولون الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده . ( لقد تقطع بينكم ) قرأ نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف ، على معنى لقد تقطع وصلكم بينكم . ودل على حذف الوصل قوله " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم " . فدل هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم : إتبرءوا منهم ولم يكونوا معهم . ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم ، فحسن إضمار الوصل بعد " تقطع " لدلالة الكلام عليه . وفي حرف ابن مسعود ما يدل على النصب فيه ( لقد تقطع ما بينكم ) وهذا لا يجوز فيه إلا النصب ، لأنك ذكرت المتقطع وهو " ما " . كأنه قال : لقد تقطع الوصل بينكم . وقيل : المعنى لقد تقطع الأمر بينكم . والمعنى متقارب . وقرأ الباقون " بينكم " بالرفع على أنه اسم غير ظرف ، فأسند الفعل إليه فرفع . ويقوي جعل " بين " اسما من جهة دخول حرف الجر عليه في قول تعالى : " ومن بيننا وبينك حجاب ( 3 ) " و " هذا فراق بيني وبينك ( 4 ) " . ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع ، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا منصوبا وهو في موضع رفع ، وهو مذهب الأخفش ، فالقراءتان على هذا بمعنى واحد ، فاقرأ بأيهما شئت . ( وضل عنكم ) أي ذهب . ( ما كنتم تزعمون ) أي تكذبون به في الدنيا . روي أن الآية نزلت في ، النضر بن الحارث وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " فقالت : يا رسول الله ، وا سوءتاه ! إن
--> ( 1 ) الغرل ( جمع الأغرل ) وهو الأقلف الذي لم يختن . والبهم ( جمع بهيم ) وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه . يعنى ليس فيهم شئ من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والمور والعرج ، وغير ذلك . ( 2 ) في ك ، ع ، ب : النعم . ( 3 ) راجع 15 ص 339 . ( 4 ) راجع ج 11 ص 24 .